[ قُل لو كان سُفيان يتنفس ! ]


[
قُل لو كان سُفيان يتنفس ! ]


أسد الغابة .. سير أعلام النبلاء .. حلية الأولياء .. هذه العناوين الثلاثة , التي تغصُّ بالعمالقة , تجعلنا - حينما نقرأها قراءةً فاحصة - ندرك أننا مخدوعون بنماذج تسنّمت سناماً لا تستحقه .. و لا نصيفه , و إن الصيرفيّ الحاذق ليدرك تمام الإدراك , و يعي غايةَ الوعي , أنهم عملاتٌ مزيّفة , سرعان ما تفقد بريقها , فهم ما بين تاجرٍ مُختال , يبني تجارته على الغش و الخداع و الكذب و مقارفةِ الربا , و فقيه مُحتال , يتسوّلُ بعلمه , و يعلّبُ فتاواه ليبيعها بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة , حقّاً .. خسر الدنيا و الآخرة , ذلك هو الخسران المبين !

إنني عندما أغوصُ في أعماق التراجم , فإنني أزداد يقيناً أننا أمة استثنائية , أمةٌ وُجدتْ لا لتتفيهق و تتكلم , إنما لتقول و تفعل , أمّةٌ ينامُ سادتُها على الحصير , و ينتشي ذادتها بالصهيل و الصليل و التكبير , أمةٌ كتبت تاريخها بسطورٍ من نورٍ في آن , و بسطورٍ من نارٍ في آنٍ آخر !

لئن تفاخر أحفاد الإنجليز بأنهم كانوا أمةً لا تغيب عنها الشمس , فإننا نفتخر بأننا أمّةٌ قالت للسحابة : أمطري حيثُ شئتِ فإن خراجك سوف يأتيني . إن شئتِ أمطري في كُثبان الجزيرة , أو في جبال الترك , أو في معابد المجوس , أو في كنائس النصارى , أو في بيَع اليهود , أو في صوامع الرهبان , أو .. أو .. أو .. كلُّ هذا لن يثنينا عن الطِلاب .

أيُّها الأحبّة .. أحضروا وسائدكم , و اختاروا أماكنكم , و تأهبوا و استعدوا , فإنني اليوم في حديثٍ يُزيلُ الهموم , و يمحو الأدران , و يبعثُ الهِمم , و يُحيي الرِمم .

أتحدّثُ اليوم عن عملاقٍ .. لا كالعمالقة , و إمامٍ .. لا كالأئمة , و يعسوبٍ .. لا كاليعاسيب , إن شئتهُ عالِماً .. فعالِم , أو شئته زاهداً .. فزاهد , أو شئته مُطارَداً .. فمطارد , أو شئته محكوماً عليه بالإعدامِ .. فكذلك . قلّما اجتمعَ هذا إلا في وليّ !!

أتحدّثُ عن شامةٍ شامخة , و قامةٍ قائمة , و هامةٍ هائمة .. تهيمُ برؤيةِ الحقّ يعلو هامةَ السّلطان , و تعشقُ لفظةَ الحقِّ تجلجلُ في أسماع الملوك , فإن أدوا حقَّ الله و أنصتوا , كان لهم نِعمَ المُعين , و إن استنكفوا و أعرضوا و استكبروا , كان بُركاناً يقذفُ في عروشهم الحمم , حتى إذا سُلّتِ السيوف من الأغماد , و رفعَ الناسُ أثوابهم خوْفاً عليها من قطرات الدم , إذا به يستخفي عن العيون , و يتوارى عن الأنظار , و يمتطي رفيقه في الغُربةِ , و يشقُّ طريقه إلى حيثُ لا يدري !

أتحدّثُ عن نهارٍ تفجّرَ في ليلٍ كالح , و عن عينٍ فارتْ في أرضٍ مُجدِبة , و عن بدرٍ لبِسَ ثوبَ التمامِ في سَحَرٍ صامتٍ حييّ , بدرٍ .. يجلسُ و حوله النجومُ من أصحابه , فينطقُ البدرُ ليقول :حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، عن ابن مسعود قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم معه أربعون رجلا ، فقال : " إنه مفتوح لكم ومنصورون ومصيبون ، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله ، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير أدى في بير وهو ينزع بذنبه " ..

حدثني التاريخُ قائلاً : ثم إن عبد الصمد ـ عمّ الخليفةِ المنصور ـ قصدَ دارَ سُفيان الثوريّ , فطرَق الباب , ففتح الباب خادمُ سُفيان , ثم دخل على سفيان يعوده , فسلّمَ عليه ، فحوّل سُفيانُ وجهه إلى الحائط ، ولم يردّ السلام. فقال عبد الصمد : يا سيف – خادم سُفيان - أظنُّ أبا عبد الله نائماً. فقال الخادم: أظنه كذلك . فقال سفيان: لا تكذب يا غلام ، لستُ بنائم. فقال عبد الصمد: يا أبا عبد الله! لك حاجة؟ قال سُفيانُ : نعم ، لي ثلاث حوائج: لا تعُد إليَّ ثانية , ولا تشهد جنازتي ، ولا تترحم عليَّ!! فخجل عبد الصمد وقام ، فلما خرج قال : لقد هممتُ أن لا أخرج إلا ورأسه معي.
و ما يظنُّ عبد الصمد بمقولته هذه ..؟! أيظنُّ أن سُفيانَ سيعودُ عما قال و فعل ..؟ هيهات .. لا و الله لا يعود , و لا قدْرَ أُنملة .
إنّ رجالاً كـ سُفيان .. قد حلّقتْ أرواحهم في السماء , و رقموا اسم الله في قلوبهم , لن يجعلوا من أجسادهم جسوراً يعبُرُ عليها الظالمون , ولن يجعلوا من أكتافهم سلالمَ يصعدُ عليها الجلاوزة العتاة المتغطرسون , إنما اختاروا أن يكونوا صخرةً يتحطم عليها كلُّ مزهوٍّ صَلِف , و بحراً متلاطماً يغرق في لججه كلُّ مختالٍ دنِس ..! فهل سيُدرِك المُتعالون هذه الحقيقة ..؟
إنّ رِجالاً تربوا على منهج سفيان , و عاشوا في كَنَفِ سيرته , و اقتاتوا على مائدةِ أقواله و فِعاله , لحريٌّ بهم أن يسودوا و يقودوا و يذودوا و يجودوا , في زمنٍ لعِبَ فيه الذيلُ دورَ الرأس , و لبِس الهِرُّ وِشاحَ النَّمِر , و تمادى البُغاثُ حتى استنسر !

قال التاريخ : ثم إن سفيانَ كان يطوفُ بالبيت , فقبضَ الخليفةُ أبو جعفر المنصور على كتفِه من الخلف , و لم يكن سُفيانُ يعرفُ وجهه , فقال له أبو جعفر : أعرفتني يا سُفيان ..؟ فقال سُفيانُ : لا و الله ما عرفتك ! و لكنّها قبضةُ جبّار ..! فقال أبو جعفر : أنا خليفةُ المسلمين أبو جعفر المنصور .. مالكَ لا تأتينا يا سُفيان ..؟ فقال سُفيان : إن الله قد نهاني عن زيارتكم فقال : [ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ] ..
و روى عبدالرزاق فقال : أخذ أبو جعفر بتلباب الثوري و حول وجهه إلى الكعبة فقال: برب هذه البُنية أي رجلٍ رأيتني ؟ فقال سُفيانُ : برب هذه البُنية , بئس الرجل رأيتك .
و كان – رحمه الله – يقول : " ما يريد منى أبو جعفر ؟ فـ وَالله لئن قمتُ بين يديه لأقولنّ له: قُم من مقامِك فغيرك أولى به منك "
لله أنت أيها الإمام ..!
و مَن يفري فريّك يا سُفيان !؟ و مَنْ يقولُ مقالتكَ ؟؟
آخ .. ماذا لو أدركتنا يا سُفيان !؟ ماذا لو أدركتنا .. و رأيتَ ما نرى !؟ لقد تغير الحالُ بعدكَ أيها الإمام , إنهم لا يزورون فقط , كلا و الله .. إنهم لَيزورون و يُقبّلون و يلثمون و يكذبون و يغشّون و يداهنون , و المُبتغى .. فُتاتٌ يُلقى على أبوابِ القصور , أراقوا به ماء الوجه , و أهانوا به عمامةَ الدين , و استحقوا به مقتَ السماءِ و الأرض , لقد تغيّر الزمان بعدك يا سُفيان !
يزعمون – أيها الإمام – أنهم يقفونَ على بابِهِ يصونون بذلك الدين , و يحفظون السُّلطان من الزيْغِ و الضلال , و هم و الله في هذا أكذبُ من مسيلمة – إلا من رحم الله - و ما سمعوا مقالتكَ يوم أن قُلتَ : " إياك والأمراء أن تدنو منهم وتخالطهم في شيء من الأشياء ، وإياك أن تُخدع فيقال لك: تشفع وتدرأ عن مظلوم، أو ترد مظلمة، فإن ذلك خديعة إبليس ، وإنما اتخذها فجار القراء سلمًا " .
إنما أحاطوا به – أيُّها الإمام - ليعرضوا فتاواهم للبيع , فإنّما هُم تُجّارُ فتاوى , كلّما كانت الفتوى أكثرُ انسلاخاً , كلما كان الثمن أعلى و أغلى !

يقول التاريخ : و لقيَ سُفيانُ أبا جعفر في منى , و الناسُ في حجٍّ , فقال له سُفيان : " اتق الله , فإنما أُنزلت هذه المنزلة , و صرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين و الأنصار , و أبناؤهم يموتون جوعا . حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارا, وكان ينزل تحت الشجر " . فقال له المنصور: أتريد أن أكون مثلك؟ فقال له سفيان : " لا تكن مثلي , ولكن كن دون ما أنت فيه , و فوق ما أنا فيه " . فقال له المنصور : اخرج.

تريّثْ .. تريّثْ ..
و إنْ مَسَّكَ الضُرُّ حيناً ..
ألَسْتَ مع الله ..؟!
فاصبرْ .. و صابِرْ !
ألَسْتَ ترى أُمَّةً تستفيق ..!؟
تُريدُ النهوضَ .. وخوْضَ المخاطِرْ ؟!
إذا كانَ مِثْلُكَ يجفو .. و يسأمُ فيها المَقام ..
فكيفَ السَّبيلُ .. و مَن ذا يؤازِرْ ..؟
و مَنْ ذا يحرّرُ منها الجناحَ المُكبَّل ..
يُطلِقُها مِن عِقالِ الهوانِ .. و سوء المقادِرْ ..؟
و مَنْ يطرُدُ الليل عنها .. و يُنعِشُ آمالها الغاليات ..
و من يستجيشُ الخواطِرْ ..!؟
و يَبعَثُ فيها ارتعاشةَ حُلْمٍ نديٍّ ..
و يوقدُ نارَ العزائم .. يشحذُ حدّ البواترْ !؟
و مَن ذا يصونُ الذِّمار ..
و يصنعُ فيها الحياة ..
و يُعلي المنائرْ ..؟
يُلَبِّي نداء السماء .. و يُعلي الحضارة ..
يُذكي شُعاعَ الهدى في الضمائرْ ..


* لـ أحمد محمد الصديق

و عندما طلبَ عبّادُ بن عبّاد من سفيانَ الثوريِّ أن يكتبَ له موعظة .. كتب له سُفيان :

[ أما بعد ، فإنك في زمان كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذون أن يدركوه ، ولهم من العلم ما ليس لنا ، ولهم من القدم ما ليس لنا ، فكيف بنا حين أدركناه على قلة علم ، وقلة صبر ، وقلة أعوان على الخير ، وفساد من الناس ، وكدر من الدنيا ؟ فعليك بالأمر الأول والتمسك به ، وعليك بالخمول ، فإن هذا زمن خمول ، وعليك بالعزلة وقلة مخالطة الناس ، فقد كان الناس إذا التقوا ينتفع بعضهم ببعض ، فأما اليوم فقد ذهب ذاك ، والنجاة في تركهم فيما نرى ، وإياك والأمراء أن تدنو منهم وتخالطهم في شيء من الأشياء ، وإياك أن تخدع فيقال لك : تشفع وتدرأ عن مظلوم ، أو ترد مظلمة ، فإن ذلك خديعة إبليس ، وإنما اتخذها فجار القراء سلما ، وكان يقال : اتقوا فتنة العابد الجاهل ، والعالم الفاجر ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ، وما لقيت من المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ، ولا تنافسهم فيه ، وإياك أن تكون كمن يحب أن يعمل بقوله أو ينشر قوله ، أو يسمع من قوله ، فإذا ترك ذاك منه عرف فيه ، وإياك وحب الرياسة ، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة ، وهو باب غامض ، لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة ، فتفقد نفسك ، واعمل بنية ، واعلم أنه قد دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت ، والسلام ] .

يقول الأمير شكيب أرسلان :

[ ... , إلا أنه بمرور الأيام خلَفَ من بعدِ هؤلاءِ خلْفٌ اتخذوا العِلم مهنةً للعيش , و جعلوا الدين مصيدةً للدنيا , فسوغوا للفاسقين من الأمراء أشنع موبقاتهم , و أباحوا لهم باسم الدين خرْقَ حدود الدين , هذا و العامةُ المساكين مخدوعون بعظمة عمائم هؤلاء العلماء , و علو مناصبهم , يظنون فتياهم صحيحة , و آراءهم موافقةً للشريعة , و الفسادُ بذلك يعظُم , و مصالحُ الأمة تذهب , و الإسلام يتقهقر , و العدو يعلو و يتنمّر , و كل هذا إثمه في رقاب العلماء ] ا.هـ من : لماذا تأخر المسلمون ؟ و لماذا تقدم غيرهم ..؟ ص76
و لم ينقطع نسلهم بعد أيها الأمير !

ثم قال التاريخ : و لما ضاقَ المنصورُ ذرْعاً بسياطِ سُفيان , عزَمَ على اجتثاثِ روحه , و إخماد قلبه , و تسكين شرايينه . قال عبد الرزاق: بعث أبو جعفر المنصور الخشَّابين حين خرج إلى مكة للحجّ ، وقال: إن رأيتم سفيان الثوريَّ فاصلبوه. فجاء النجَّارون ، ونصبوا الخشب ، ونودي عليه ، فإذا رأسه في حِجْر الفضيل بن عياض ، و رجلاه في حجر ابن عيينة ، فقيل له: يا أبا عبد الله ! اتق الله ، لا تشمِّتْ بنا الأعداء ، فتقدَّم إلى الأستار ، ثم تعلّق بها ، وقال: أقسمتُ عليك يا الله أن لا يدخلها أبو جعفر ! قال عبد الرزاق : فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة .
قال الذهبي: هذه كرامةٌ ثابتة.

و لا عجب ! فإن هذا الإمام .. قد جمع اليقين من أطرافه , و حازَ الصِّدقَ بين جنبيه , و ضربَ الصبرُ أطنابه بيْن عِطفيْه , و شتّان شتّان .. بيْن زمانٍ تمندلَ فيه العلماءُ بالملوك , و زمانٍ تمندل فيه الملوكُ بالعلماء , إذ نامَ حُرّاسُ الفضيلةِ في مخادعِ الرذيلة , و توارتْ شمسُ الحقِّ خلفَ مناصبِ الرِّق , و فاضتْ روحُ الأَنَفَةِ على أسوارِ الدّرهم و الدينار !
و خيرهُم حالاً اليوم .. من يَكْلِمُ بيدٍ و يأسو بأخرى , و قليلٌ مّا هُم !
و كلُّ دينِهم و حجّتِهم أن المصلحةَ تقتضي هذا الضعفَ و الخنوع , حتى صارت المصلحةُ صنماً يكادُ أن يُعبدَ من دون الله !!

ثم انتصب التاريخُ بعصاه قائماً , عازماً على الرِّحيل .. فقلتُ له : على رسلكَ أيُّها الشيخُ العجوز ! إن أقواماً يزعمون أنّ سُفيانَ لو تنفّسَ في زماننا لما وسعه غير ما وَسِعهم !
فضِحكَ التاريخُ ساخراً و قال : قل لو كان سُفيانُ يتنفَّسُ لبصَقَ في وجوهكم !


زرد السلاسل ..

2 التعليقات:

غير معرف يقول...

لله دره من امام ولله درك من همام..

دعائي لك في ظهر الغيب ان الله يحرسك بعينه التي لاتنام وان

يكثر من امثالك,فمثلك فريد,ومثلك نريد.

واهاً لريح الجنة,

وواهاً من انفسنا فـ لطالما اتعبتنا ولطالماضيعتنا..

اللهم اوبةً تركض بنا الى الفردوس الاعلى بفضلك..آآمـين.

احاطك الله بحفظه وهديه..آآمين..

غير معرف يقول...

مداد نادر..فكر ثامر..وجود في العطاء ..بارك الله فيكم

إرسال تعليق

أُكتُبْ فَأَنْتَ قَلَمُ التَأرِيخِ مَابَقِيتْ "~" مَحَابِرُ أو تَبَقَّى فِي الوَرِيدِ دَمُ

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting